إطلاق العنان لنمو التكنولوجيا الحيوية في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا: من الإمكانات الواعدة  إلى التأثير العالمي 

Biotechnology Web Banner
المواضيع: مقالة

بقلم: ناصر علي الكعبي 

رئيس قسم تسهيل الاستثمار - وكالة ترويج الاستثمار  

لم تعد التكنولوجيا الحيوية حكرًا على المختبرات والبحث العلمي، بل غدت من أكثر الصناعات تأثيرًا في ملامح القرن الحادي والعشرين، وركيزةً من ركائز التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فهي تُسهم في تطوير علاجات مبتكرة تُنقذ الأرواح، وترسيخ الأمن الغذائي، ودعم التصنيع المستدام، ومواجهة التحديات البيئية، لتُحدث تحوّلاً نوعيًا يمتد إلى مختلف القطاعات.  وفي ظل التوجّه العالمي نحو بناء اقتصادات قائمة على المعرفة وأكثر قدرة على التكيّف مع المتغيرات، برزت التكنولوجيا الحيوية أولويةً استراتيجيةً للحكومات وصنّاع القرار، لما تتيحه من فرص لتحفيز الابتكار، واستقطاب الاستثمارات، وصياغة مستقبل الاقتصاد الحيوي. 

وتؤكد المؤشرات الاقتصادية العالمية هذا الزخم المتسارع للقطاع، فمن المتوقع أن يتضاعف حجم سوق التكنولوجيا الحيوية العالمي أكثر من ثلاث مرات، ليرتفع من 1.38 تريليون دولار في عام 2025 إلى 4.33 تريليون دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 13.6%.  وتكشف هذه الأرقام أن الريادة في هذا القطاع تجاوزت من كونها طموحًا علميًا، لتغدو ضرورة اقتصادية واستراتيجية، ترتبط مباشرةً بتعزيز القدرة التنافسية، والمرونة، وتحقيق الازدهار المستدام. 

لماذا تكتسب منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا هذه الأهمية؟ 

تحتفظ أمريكا الشمالية بصدارتها بوصفها أكبر سوق للتكنولوجيا الحيوية عالميًا، وتتجه آسيا والمحيط الهادئ إلى تسجيل أسرع وتيرة نمو. غير أن منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تفرض نفسها بوصفها إحدى أكثر المناطق الواعدة في هذا القطاع؛ إذ تشير التوقعات إلى نمو سوقها من 51.5 مليار دولار في عام 2025 إلى 125.9 مليار دولار بحلول عام 2034، بمعدل نمو سنوي مركّب يبلغ 10.5%.  

ورغم انطلاق المنطقة من قاعدة سوقية أصغر نسبيًا، إلا أن حجم الالتزام الحكومي وعمق الاستثمار في بناء منظوماتها الحيوية يمنحها ثقلاً استثنائيًا.  ويستند هذا الزخم إلى جملة من الركائز الاستراتيجية، وهي: الطلب المتنامي على خدمات الرعاية الصحية، والاستثمارات المتصاعدة في البحث والتطوير، والأولوية المتزايدة للأمن الغذائي والاستدامة، والتوجّه الراسخ نحو تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية.  وهكذا لم يعد السؤال المطروح اليوم: هل ستُشارك دول الشرق الأوسط وأفريقيا في الاقتصاد الحيوي العالمي؟ بل: إلى أي مدى ستنجح في بناء منظومات متكاملة تربط البحث العلمي بالابتكار وريادة الأعمال والاستثمار، لتحوّل الاكتشافات العلمية إلى حلول تجارية ذات قيمة مضافة وأثر اقتصادي واجتماعي ملموس؟ 

من الفرص إلى بناء المنظومات  

في دول مجلس التعاون الخليجي تمضي الحكومات ترسيخ قدراتها في قطاع التكنولوجيا الحيوية، من خلال تبني وتنفيذ استراتيجيات وطنية واستثمارات مستهدفة.  وتجسّد الاستراتيجية الوطنية للتكنولوجيا الحيوية في المملكة العربية السعودية، ومجمعات علوم الحياة في دولة الإمارات العربية المتحدة، وتركيز دولة قطر على الطب الدقيق والبحوث الطبية الحيوية، التزامًا مشتركًا بدفع عجلة الابتكار، وفتح آفاق جديدة للنمو الاقتصادي.  

بيد أن المنافسة العالمية في هذا القطاع لا تُحسم بالاستثمارات وحدها، بل ببناء منظومات متكاملة تجمع بين البحث العلمي المتقدم، وسهولة الوصول إلى التمويل، والأطر التنظيمية الداعمة، والشراكات الفاعلة بين القطاعين العام والخاص، والمواهب المتخصصة.  والدول الأقدر على تحقيق التكامل بين هذه المقومات هي الأوفر حظًا في تحويل الابتكار إلى قيمة اقتصادية مستدامة، واقتناص الفرص التي يتيحها أحد أسرع القطاعات نموًا في الاقتصاد العالمي. 

بناء منظومة التكنولوجيا الحيوية في قطر 

يندرج تطوير قطاع التكنولوجيا الحيوية ضمن مستهدفات رؤية قطر الوطنية 2030، التي تضع تنمية الإنسان والارتقاء بجودة الرعاية الصحية في صميم مسار التنمية المستدامة، بوصفهما ركيزتين أساسيتين لبناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. 

وخلال الأعوام الماضية، ترجمت الدولة هذا التوجه إلى استثمارات استراتيجية في البحث العلمي والرعاية الصحية والبنية التحتية العلمية، أرست جميعًا أرسى أسس منظومة متكاملة للتكنولوجيا الحيوية؛ إذ خصّصت ما بين 0.5% و0.7% من ناتجها المحلي الإجمالي للبحث والتطوير، وتستهدف رفع هذه النسبة إلى 1.5% بحلول عام 2030.  وفي الوقت نفسه، يُتوقّع أن يرتفع الإنفاق على الرعاية الصحية من نحو 7 مليارات دولار في عام 2025 إلى 12.5 مليار دولار بحلول عام 2030، بما يدعم تطوير قطاع صحي متقدّم قائم على الابتكار والتقنيات الحديثة. 

وتقوم هذه الرؤية على منظومة مؤسسية وبحثية راسخة، تتصدّرها مؤسسة قطر للتربية والعلوم وتنمية المجتمع بمعاهدها ومؤسساتها، ومن بينها معهد قطر لبحوث الطب الحيوي، ومعهد قطر لبحوث البيئة والطاقة، وسدرة للطب، إلى جانب جامعات ومراكز بحثية مرموقة. وتؤدي هذه المؤسسات دورًا محوريًا في دعم الاكتشافات العلمية، وتسريع تحويل نتائج البحوث إلى تطبيقات سريرية، وتحفيز الابتكار، وإعداد كوادر وطنية مؤهلة تقود مستقبل القطاع في الدولة. 

الطب الدقيق، ميزة تنافسية لقطر 

يُعد الطب الدقيق وعلوم الجينوم من أبرز المجالات التي رسخت دولة قطر مكانتها الريادية على المستوى الإقليمي، وذلك بفضل استثماراتها طويلة الأمد في البحوث الطبية الحيوية والبنية التحتية العلمية. وقد أسهمت المؤسسات الوطنية في مقدّمتها معهد قطر للرعاية الصحية الدقيقة،  الذي تنضوي تحت مظلته قطر بيوبنك المبادرة الصحية طويلة الأجل، وبرنامج قطر جينوم، في تسريع وتيرة الأبحاث المتعلقة بالتركيب الجيني للسكان، وتحقيق إنجازات علمية نوعية، من أبرزها إجراء التسلسل الجينومي لأكثر من 40 ألف مواطن قطري وعربي، بما أسهم في إنشاء واحدة من أشمل قواعد البيانات الجينومية في المنطقة. 

وتدعم هذه المبادرات إجراء أبحاث متخصصة في الأمراض، وتشجع تطوير نماذج أكثر تخصيصًا للرعاية الصحية، فضلاً عن توسيع آفاق التعاون العلمي والابتكار. 

 

استشراف المستقبل 

ومع تزايد الدور المحوري للتكنولوجيا الحيوية في تعزيز تنافسية اقتصادات المستقبل، فإن موقع الريادة في تشكيل الجيل المقبل من مراكز التكنولوجيا الحيوية العالمية سيكون للدول القادرة على الجمع بين التميّز البحثي، ورأس المال الاستثماري، ومنظومات فعّالة لتحويل الابتكارات إلى منتجات وخدمات تجارية. 

ولن تقتصر مكاسب هذه الدول على الارتقاء بالرعاية الصحية وترسيخ الأمن الغذائي، بل ستتجاوزها إلى محرّكات نمو جديدة، وتقوية موقعها التنافسي، وازدهار اقتصادي مستدام.  وفي هذا المسار تمضي دولة قطر، عبر استثمارها المتواصل في البحث العلمي، والطب الدقيق، والشراكات الدولية نحو منظومة حيوية متقدّمة ترسّخ مكانتها مركزًا إقليميًا للابتكار وتُسهم في صياغة مستقبل القطاع عالميًا. 


تشارك هذه المقالة